EN | AR
تابعنا
التقويم
القائمة البريدية
انضموا إلى مجموعتنا البريدية لتحصلوا على آخر أخبارنا

أَبُو الإِدَارَة

أَبُو الإِدَارَة
 

كثيراً ما طرقت أسماعنا عند القراءة في علم الإدارة وملحقاته كلما سمعنا مثل هذه الأسماء من مشاهير علماء الإدارة (روبرت فايول، أو هزي فريديرك وغيرهم)، أنَّ هذا واضع علم الإدارة، وهذا أبرز من تناول الموضوع إن لم يكن أول من تكلم بالموضوع وأبدع فيه، وهذا أبو الإدارة... وغيرها من الأوصاف والنعوت.

وليست هذه الأسماء والأوصاف والمدائح والأوسمة في كتب الغربيين فحسب، إنَّما في كتابات "المجترِّين" لِمَا يقرأون ويسمعون، من علماء العرب والمسلمين أحياناً إن لم يكن غالباً.

هنا تتجلى بوضوح جسامة المشكلة، وعمق الهوَّة في الابتعاد عن الأماجد وتاريخهم وإنتاجهم، ولقد أقمنا جداراً عنصرياً امتلأ حقداً وكراهية وجهلاً وتقليداً أعمى بيننا وبين عظماء التاريخ وجيل القدوة مِن أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم ومَن سار على هديهم.

قام الإسلام عل أكتاف نخبة البشريَّة، وأعظم رجالاتها، صفوة الناس وأنبلهم، أصحاب المواهب والقدرات والمهارات المميزة، وليس كما يظن البعض عن هؤلاء النماذج البشريَّة، حيث يتصور أنهم جهلة يتقنون حَلْبَ الشاة وملاحقة الطريدة في الصيد، وأنهم أبناء بيئتهم الصحراوية، أو يظنهم كما صورتهم الوسائل الإعلامية؛ عمائم ولِحى أو نساء وعربدة، أو أزياء "فلوكلورية" إنهم أبناء العالم الآخر الذين لا مكان لهم اليوم في الجامعات "الراقية"، والمدنية المزدهرة، وتقنيات الاتصالات والمواصلات، وتعدد اللغات ومهارات التسويق والعرض وإدارة الموارد البشرية.

هذا خطأ فادح لا بد من المسارعة إلى تصحيحه وإلا سنكون من الجهلة الذين يعرفون ويؤمنون بالبحث العلمي إلا أننا لا نستخدمه، ونحارب التبعيَّة وننكر على أصحابها إلا أنَّنا أساتذة وأسياد وأهل اختصاص في كل أنواع التبعية .

إليكم أيها الأحبة نموذجاً من نماذج الإبداع ورسم القواعد العمليَّة بلغةٍ مختصرة وبطريقة عمليَّة، دقة في التحليل ووضع النقاط على الحروف، وما أذكره ليس أهم مثال أو أوحد الأمثلة، إنما هو نقطة في بحور الموسوعات العلميَّة.

استقدم عمر بن الخطاب رجلاً وكلَّفه بإدارة شؤون ولاية من ولايات الدولة الإسلامية، وقال له:

"خذ عهدك، وامضِ إلى عملك، واعلم أنّك مصروفٌ رأسَ سَنَتِكَ، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك،

1.إن وجدناك أميناً ضعيفاً: استبدلناك لضعفك، وسلَّمَتْكَ من مَعَرَّتنا أمانتُك،

2.وإن وجدناك خائناً قوياً: استهنَّا بقوَّتك وأوجعنا ظهرك وأحسنا أدبك،

3.وإن جمعت الجرمين الضعف والخيانة: جمعنا عليك المضرَّتين،

4.وإن وجدناك أميناً قوياً: زدناك في عملك ورفعنا لك ذكرك واوطأنا لك عَقِبَك".

عظيم يا أبا الإدارة وواضعَ أسسِها وأصولها، كلمات جميلة عذبة سهلة السياق والفهم، دقيقة لا يمكن لأحد أن يزيد بها أو أن ينقص، واضحة لا يمكن لأحد أن يسيء فهمها، تحمل في طيَّاتها التحفيزَ والتهديدَ وآلية التقتيم، والعقوبة والمكافأة في آن معاً. حدَّدَت مدة العقد، وبيَّنت أنماط الإداريين الأربعة، ووضعت لكل واحدة حدوداً ومعايير، عقد لن يظلم به أحد.

كم جريمتنا كبيرة يا معلمي وقدوتي با ابن الخطاب يا تلميذَ القرآن والسنة النبوية، يا من صاغك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وَفْق منهج الله، فقد عَلِمَ قبل إسلامك قيمتك وقدرتك فقال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحد العُمَرين" فأعزَّ اللهُ الإسلام بك، كم رفعت من شأننا وساهمت في صناعة تاريخنا ومجدنا، عذراً يا سيدي لم نكن على قدر المسؤوليَّة، أسأنا الظنَّ بك، ولم نتلقَّف أقوالك وأفعالك، وأحياناً تغنينا بها ولكن لم نلتزم هديها ولم نعمل بمقتضاها.

واليوم عدنا إلى رشدنا، نعاهدك وكلَّ نماذج الإسلام، أن نعرِفَكم أكثر، وأن نقتدي بمنهجِكم أكثر، وأن نضعكم حيث ينبغي أن تكونوا.