EN | AR
تابعنا
التقويم
القائمة البريدية
انضموا إلى مجموعتنا البريدية لتحصلوا على آخر أخبارنا

إذا وُسِّد الأمرُ إلى غَير لأهله

بسم الله الرحمٰن الرحيم

اللهم صلّ على محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

إذا وُسِّد الأمرُ إلى غَير لأهله

قال العرب قديماً: "موت ألف مِن العِلْيَةِ خيرٌ من ارتقاءِ واحد من السَّفَلَةِ".

والرّسول الكريم عليه الصلاة والسلام ذكر مؤشِّرات قرب اتنهاء الحياة الدنيا وبَدْء يوم القيامة، وهي كثيرة من أبرزها وأهولها: أن يوسَّد الأمر إلى غير أهله .

خطر كبير يتهدَّد البشرية قاطبة عندما يصبح أراذلُها وجهاءَها وقادة الرأي فيها، والأخطر منه أن يعتكف العقلاء أو أن يُضرَب برأيهم عُرض الحائط إن أبدَوا رأياً في محنة أو استشارة في مأزق.

والأمانة أمانةٌ، كَبِر حجمها أم صَغُر، إدارة الذات واستثمار الإمكانات الشخصيَّة حكمة وأمانة، من قصَّر فيها أورد نفسه المهالك، وفاته قطار الحياة فضاع وضيَّع. وإدارةُ البيوت أمانة لا يليق بكل أحد أن يتنطَّع لمسؤليَّاتها إن لم يؤتِ مستحقاتها.

"من استطاع منكم الباءة فليتزوج..." ]حديث نبوي[ وإدارة الآخرين وقيادتهم أمانة، وحِفظُهم وتفعيل دورهم وتطوير آدائهم وتأمين احتياجاتهم ورفاهيتهم أمانة، لا يَقدر الجميع على حملها، فمن وجدَ نفسه مؤهلاً لها قادراً عليها، فليتقدَّم وبحذر. ومَنْ عَرَفَ حجمَه وقدره ووقف عنده فاعتذر عن ولايةٍ هنا أو مسؤوليَّةٍ هناك سَلِمَ وسَلَّم. ومن اغترَّ بنفسه وبالغ وتهوَّر في قراءة ذاته هلك وأهلك مَن وراءه .

وإنَّ من أبرز سمات عصرنا الذي نعيش فيه أنَّ قادة الرأي وأرباب المناصب القياديَّة العليا والصغرى والوسطى ليسوا غالباً أهلاً لمواقعهم، بل إن هؤلاء يستجمعون صفات تتنافى مع صفات القائد الناجح بكل المقاييس، فأين الأمانة وأخواتها الكبار والصغار كالتخصّص والإتّقان، والحذر والحنكة والسماحة والحكمة وبُعد النظر، وعمق الفكر والتعلُّم المستمر والتجدُّد الملائم وغيرها.

أليس من الخطورة بمكان أن تصبح حاجات الناس في يد ليئم أو غشيم؟ وينسب إلى سيّدنا علي رضي الله عنه: "والله والله -مرتين- لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دينٍ".

أليس من الخطورة أن يقودنا من لا يعرف إلى أين يأخذنا؟ إذ كيف يقود المبصرَ أعمى؟ يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أليس فينا من يجمعنا على الحق بعد أن يدلَّنا عليه" فقبل أن يجمعنا لا بد أن يعرفه هو ثمَّ يدلَّنا عليه، وبعدها يجمعنا عليه.

أليس من الخطورة أن يقودنا أصحاب الهوى والزيغ، عبيد المصلحة والعقار والدولار؟ كيف يحرِّر هؤلاء أبناءنا وبلادنا وهم أسرى قَيَّدت أيديَهم أهواؤهم، وكبَّلت أقدامَهم شهواتُهم، وأحنت رؤوسَهم عزائزُهم؟

أليس من الخطورة أن يقودنا أراذلنا الذين استغنوا بمناصبهم عن أخلاقهم وقيمهم، وكأنني بهم آمنوا بقول الحُطيئة وصدَّقوه وهو كما قالت العرب: "أهجى أبيات الشعر" وهو القول الذي أدَّى إلى سجن صاحبه على يد عمر رضي الله عنه عندما سمعه؛ حيث قال الحُطيئة:

"دعِ المكارم لا ترحل لِبُغيتها واقْعُد فإنك أنت الطّاعم الكاسي".

إذ من العيب أن يهجر الأخلاق والقيم إنسانٌ، لأنَّه يقدر أن يطعم ويوزِّع صناديق "الذل" ومساعدات "الاستعباد".

أليس من الذل والخطورة أن يقودنا أجهل الناس الذين يتباهون بجهلهم ويحتقرون أصحاب الحكمة والعقل والبحث كما قال الشاعر:

"ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ".

هل نبقى هكذا؟ تأفُّف واستنكار وهذا في أحسن الحالات، أو استسلام وهوان وهذا حال غالبية الناس؟

أم أننا سندفع بنخبة الناس نوسِّد إليهم الأمرَ كما يقول الله في كتابه العزيز: [يا أَبَتِ استأجره إنَّ خيرَ من استأجرتَ القويُّ الأمينُ...].

هل نقول: "نحن أهلٌ لها"، دون أن نُصاب بالغرور، أو أن ندعي شيئاً ليس لنا، أم أننَّا سنقول:

"ولما رأيت ُ الجهلَ في الناس فاشياً تجاهلت حتى ظُنَّ أنيَ جاهلُ؟"

اللهم ولِّ أمورنا خيارنا وأزِلْ من مسيرتنا ومؤسساتنا كل عاجز أو جاهل، فالخير فينا كثير ولا يحتاج إلا إلى تحريك وتفعيل. وبذل وجهد [والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلَنا]...

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.